محمد بن جرير الطبري
240
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله ، فنهى الله عز وجل عن ذلك ، فقال : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ الآية ، قال : ويقال : لا يتق بعضكم بعضا بي ، تحلفون بي وأنتم كاذبون ليصدقكم الناس وتصلحون بينهم ، فذلك قوله : أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا الآية . وأما قوله : وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ فهو الإِصلاح بينهم بالمعروف فيما لا مأثم فيه ، وفيما يحبه الله دون ما يكرهه . وأما الذي ذكرنا عن السدي من أن هذه الآية نزلت قبل نزول كفارات الأَيمان كفارة اليمين ، فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ، والخبر عما كان لا تدرك صحته إلا بخبر صادق ، وإلا كان دعوى لا يتعذر مثلها وخلافها على أحد . وغير محال أن تكون هذه الآية نزلت بعد بيان كفارات الأَيمان في سوره المائدة ، واكتفي بذكرها هناك عن إعادتها هاهنا ، إذ كان المخاطبون بهذه الآية قد علموا الواجب من الكفارات في الأَيمان التي يحنث فيها الحالف . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني تعالى ذكره بذلك : والله سميع لما يقوله الحالف منكم بالله إذا حلف ، فقال : والله لا أبر ، ولا أتقي ، ولا أصلح بين الناس ، ولغير ذلك من قيلكم وأيمانكم ، عليم بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك ، الخير تريدون أم غيره ، لأَني علام الغيوب وما تضمره الصدور ، لا تخفى على خافية ، ولا ينكتم عني أمر علن فظهر أو خفي فبطن ، وهذا من الله تعالى ذكره تهدد ووعيد . يقول تعالى ذكره : واتقون أيها الناس أن تظهروا بألسنتكم من القول ، أو بأبدانكم من الفعل ، ما نهيتكم عنه ، أو تضمروا في أنفسكم ، وتعزموا بقلوبكم من الإِرادات والنيات بفعل ما زجرتكم عنه ، فتستحقوا بذلك مني العقوبة التي قد عرفتكموها ، فإني مطلع على جميع ما تعلنونه أو تسرونه . القول في تأويل قوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وفي معنى اللغو . فقال بعضهم في معناه : لا يؤاخذكم الله بما سبقتكم به ألسنتكم من الأَيمان على عجلة وسرعة ، فيوجب عليكم به كفارة اليمين إذا لم تقصدوا الحلف واليمين ، وذلك كقول القائل : فعلت هذا والله ، أو أفعله والله ، أو لا أفعله والله ، على سبوق المتكلم بذلك لسانه بما وصل به كلامه من اليمين . ذكر من قال ذلك : حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، قال : ثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن عكرمة عن ابن عباس : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال : هي بلى والله ، ولا والله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن القاسم ، عن عائشة في قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قالت : لا والله ، وبلى والله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن عائشة نحوه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، قال : سألت عائشة عن لغو اليمين ، قالت : هو لا والله ، وبلى والله ، ما يتراجع به الناس . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع وعبدة وأبو معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة في قول الله لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قالت : لا والله ، وبلى والله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قالت : لا والله ، وبلى الله ، يصل بها كلامه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام بن سلم ، عن عبد الملك ، عن عطاء قال : دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة فقال لها : يا أم المؤمنين قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قالت : هو لا والله ، وبلى والله ، ليس مما عقدتم الأَيمان . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا ابن أبي ليلى ، عن عطاء ، قال : أتيت عائشة مع عبيد بن عمير ، فسألها عبيد عن قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ فقالت عائشة : هو قول الرجل : لا والله ،